أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
93
نثر الدر في المحاضرات
لمّا جيء إليه بأمان وصيف وبغا من بغداد على دمائهم وأموالهم وأجاز ذلك ، وقّع بخطّه بين الأسطر : خلا ما فيها من حقّ لمسلم أو لمعاهد . المهتدي « 1 » كان يقول : لو لم يكن الزّهد في الدنيا ، والإيثار للحقّ ، مما لطف اللّه تعالى لي فيهما ، ووفّقني لهما ، وإنّي أرجو بذلك الفوز يوم القيامة ؛ لتصنّعت بما أفعله للناس ؛ لئلا يكون مثل عمر بن عبد العزيز في خلفاء بني أمية ، ولا يكون في خلفاء بني هاشم بعدهم مثله ، وهم من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - أقرب . قال بعضهم : سمعته يوما يقول لعيسى بن فرخانشاه : عاون على الخير تسلم ، ولا تجزه فتندم . فقيل له : إنّ هذا بيت شعر . قال : ما تعمّدت ذلك ، ولكنّي رويت قول الشاعر : [ الطويل ] تعاون على الخيرات تظفر ، ولا تكن * على الإثم والعدوان ممّن يعاون وجلس يوما للمظالم ، فرفع إليه في الكسور ؛ فسأل الكتاب عنها ، فأخبر بها ، فقال : معاذ اللّه أن ألزم الناس ظلما تقدّم العمل به أو تأخّر . أسقطوا هذا الظلم ، وهذه الكسور عن الناس ؛ فقام الحسن بن مخلد . فقال : إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من مال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف درهم - ومدّ بها صوته - فقال له المهتدي : قد عرفت مذهبك في هذا ، وتحريضك الموالي بما ينقص من أموالهم ، وما أمتنع من أن أقيم حقّا للّه ، وأزيل مظلمة قد تقدمت بها الأيّام ، ولو كان في ذلك كلّ حيف على بيوت الأموال ، ولو نظر الموالي أمرك ، وأمر نظرائك لأخذوا منك ما خوّفتهم أن يذهب مقداره من مالهم . فارتعد الحسن وأبلس ، ثم كلم المهتدي بعد ذلك فيه فترجع إليه . وتظلّم إليه رجل من بعض أسبابه ، فأحضره ، وحكم عليه بما صحّ عنده ؛ فقام الرجل وشكر ، وقال : أنت واللّه يا أمير المؤمنين كما قال
--> ( 1 ) المهتدي باللّه العباسي : هو محمد المهتدي باللّه بن الواثق بن المعتصم بن هارون الرشيد ، ولد سنة 227 ه ، بويع له بالخلافة سنة 255 ه ، بعد خلع المعتز باللّه نفسه ، وكان حميد السيرة زاهدا ، خلعه الترك وقتلوه سنة 256 ه ( البداية والنهاية 11 / 19 - 26 ) .